عوض أن تنتج السنوات اندماج المهاجر.. تنتج العزلة والنفور المتبادل

محمد بنميلود- كاتب وشاعر مغربي مقيم في بروكسيل //

أغلب المهاجرين القدامى الذين عاشوا سنوات طويلة في أوروبا وربما أنجبوا فيها أطفالا ويمكن القول إنهم اندمجوا داخل نسيج مجتمعاتها على الأقل على مستوى اللغة والعمل، أغلبهم يكرهون الأوروبيين في صمت.
ما أستنتجه من ذلك هو أن المهاجر هو أكثر الناس الذين يعيشون التمزق الداخلي ويعانون آلامه التي يصعب على الآخرين إحساسها أو تصديقها. لا هم يعيشون في أوطانهم ووسط عائلاتهم ينعمون بالحرية والكرامة والانتماء وهذه كلها مفقودة، ولا هم يشعرون أن أوروبا ملك لهم حتى وإن ساهموا في بنائها. بل يظلون على الهامش، يشعرون باستمرار أنهم مجرد دخلاء ومتطفلين، ونظرات الأوروبيين تؤكد ذلك لهم في كل مناسبة، بحيث مع الوقت يحدث ذلك التراكم من الاختلاف وسوء الفهم والإحساس بالدونية، بالتالي عوض أن يذيب الزمن الفوارق يضاعفها، وعوض أن تنتج السنوات الاندماج تنتج العزلة والكراهية والنفور المتبادل. أضف إلى ذلك الموروث الثقافي والديني والجيني الذي حمله المهاجرون إلى هنا معهم، والذي يشكل بالنسبة إلى الأوروبيين تهديدا ضبابيا يمس مستقبلهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي متمثلا في تكاثر المهاجرين السريع عبر الهجرة وعبر الخصوبة مقابل انقراض الأوروبيين الذين يعانون من الشيخوخة وعدم القدرة على التفريخ إضافة إلى الغش في العمل أو التحايل على القانون الذي يتقنه المهاجرون.

الصراعات الأيديولوجية حاضرة أيضا بقوة رغم تخفيها أو كبتها: إسلام ضد مسيحية وضد معتقدات أخرى، وهو في العمق وجود ضد وجود يأخذ شكل الهدنة والتعايش مشفوعا بالعلمانية والقانون في الظاهر، مغلفا ببعض الانحياز لصاحب الأرض على حساب المهاجر على أرض الواقع، وهذا أمر طبيعي دون شك وبديهي، وكونه طبيعيا هو ما يجعل منه عائقا غير قابل للزوال يوما، بالتالي تصير النتيجة طبيعية أيضا: أن الجسد الأوروبي يظل منيعا ضد زراعة أي أعضاء غريبة، وأن تلك الأعضاء الغريبة التي ليست سوى المهاجرين تظل تشعر هي أيضا بغبن وبحسرة أنها تزرع وتنمو وتؤدي وظائفها في بيئة غريبة عنها بعيدة عن بيئتها الطبيعية وجسدها الطبيعي جينيا وجغرافيا وثقافيا..

حين يعود المهاجرون إلى بلدانهم في العطل الصيفية على متن سياراتهم أو عبر الطائرات محملين بالهدايا وبأطفال جميلين وأنيقين يرطنون بلغات حية، في الغالب لا يتحدثون عن أوروبا أو القارات الأخرى التي جاءوا منها، لا يتحدثون عن شيء من كل ذلك لأسباب تظل مبهمة وسديمية. كل ما يتحدثون عنه هو المشتريات والشواطئ والحرشة والملاوي والكسكس والرفيسة العمياء.
وبعد نهاية العطلة يغادرون بصعوبة وهم يذرفون الدمع على أبواب المطارات والموانئ. دمع يصعب على كل ممنوع من التأشيرة ومن الهجرة فهمه.

اقرأ أيضا

القنصلية المغربية في بروكسيل تعتمد نظام مواعيد مسبقة فاشل وكثير الأعطال

اشتكى عدد من أفراد الجالية المقيمة ببلجيكا، من سوء خدمات القنصلية العامة المغربية، خاصة في …